ملا محمد مهدي النراقي

161

جامع السعادات

أيضا ، فتتولد بينهما الموافقة ، وترتفع عنهما مادة المحاسدة ، وهذا هو المعالجة الكلية لمطلق مرض الحسد . والعلاج النافع لكل نوع منه ، أن يقمع سببه ، من خبث النفس وحب الرئاسة والكبر وعزة النفس وشدة الحرص وغير ذلك مما ذكر ، وعلاج كل واحد من هذه الأسباب يأتي في محله . تنبيه القدر الواجب في نفي الحسد إعلم أن مساواة حسن حال العدو وسوء حاله ، وعدم وجدان التفرقة بينهما في النفس ، ليست مما تدخل تحت الاختيار . فالتكليف به تكليف بالمحال . فالواجب في نفي الحسد وإزالته هو القدر الذي يمكن دفعه ، وبيان ذلك - كما أشير إليه - أن الحسد . ( 1 ) إما يبعث صاحبه على إظهاره بقول أو فعل ، بحيث يعرف حسده من آثاره الاختيارية . ولا ريب في كونه مذموما محرما ، وكون صاحبه عاصيا آثما ، لا لمجرد آثاره الظاهرة التي هي الغيبة والبهتان مثلا ، إذ هي أفعال صادرة عن الحسد ، محلها الجوارح ، وليست عين الحسد ، إذ هو صفة للقلب لا صفة للفعل ، ومحله القلب دون الجوارح ، قال سبحانه : " ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا " ( 18 ) . وقال : " ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء " ( 19 ) . وقال : " إن تمسسكم حسنة تسؤهم " ( 20 ) . فلو كان الإثم على مجرد أفعال الجوارح ، لم يكن أصل الحسد الذي هو صفة القلب معصية ، والأمر ليس كذلك ، فيكون عاصيا لنفس الحسد الذي في قلبه أيضا ، أعني ارتياحه بزوال النعمة مع عدم كراهة ذلك من نفسه . والإثم حقيقة على عدم كراهته وعدم مقته وقهره على نفسه لهذا الارتياح الذي يجده منها ، لكونه اختياريا ممكن الزوال ، لا على نفس الارتياح والاهتزاز ، لما أشير إليه من أنه طبيعي غير ممكن الدفع لكل أحد .

--> ( 18 ) الحشر ، الآية : 9 . ( 19 ) النساء ، الآية : 88 . ( 20 ) آل عمران ، الآية : 120 .